انت هنا في: الرئيسية قالوا عن هاشــم صديــق قالوا عن هاشم صديق من التاريخ ... وللتاريخ ( صلاح شعيب ) يحاور ( هاشم صديق )- 2

موقع الشاعر هاشم صديق

 

من التاريخ ... وللتاريخ ( صلاح شعيب ) يحاور ( هاشم صديق )

الأديب / الشاعر: هاشم صديق في حواره مع ظلال ( الخميس 25 صفر 1417هـ الموافق 11 يوليو1996م

لست شيوعياً ولم أقرأ الماركسية : ( الجزء الثاني و الأخير )

 

 * شخصية هاشم صديق الفنية مرتبطة بالصراع مع الحكومات الشمولية ، هل ذلك يعني أن الأيدلوجي هو المحرك الأساسي في كل محاولاتك الإبداعية ؟

    الصراع مع ( الحكومات الشمولية ) ليس غاية الإبداع وهدفه موضوع الإبداع هو ( الحياة ) بكلياتها ، وعين ومنهج وزوايا رؤاك في الحياة قد تصطدم بما ترفضه في الآخرين ومن ضمن الآخرين قد تكون (الأنظمة السياسية) شمولية أو غيرها ، دفاعاً عن الحق والخير . ولكن هذا لا يعني أن ( الإبداع ) كله (سياسة ) بالنسبة لي لاحظ بعض قصائد  مجموعاتي الشعرية وأعمالي الدرامية الإجتماعية مثل ( الحراز والمطر ) و ( الحاجز ) و ( الخروج عن النهر )

مثلاً كما أنني لا أرتكز علي منظور ( أيدولوجي ) في نظرتي للأشياء والناس والعالم .. منظوري هو وعيي وتجاربي ودرجة إحساسي .. أنا مخلوق نامي في عالم ينمو ويتشكل  في كل يوم بصورة جديدة .. لا يجب أن أحدق علي عالم بمثل هذا الإتساع ، والنمو ، والتشكل المتغير ، من خلال كوة ( الأيدولوجي ) الذي لا يحيد عن ثبات ( تخشبه ) وعجزه عن استيعاب طبيعة الأشياء في كونها تنمو .. لدي منهج هو كا تجاربي ووعيي وهذا هو مدادي وبصيرتي .

* رغم أنك تصدر تجاربك عن فكر تقدمي طليعي ، إلا أنك ترفض التصنيف باليسارية .. ماهي علاقتك باليسار عموماً ؟


     جذوري الطبقية ، ومفردات أشعاري مثل ( الغلابة ) و ( الغُبُش )  و( المساكين ) ورفقة ( خندق النضال الواحد ) في مواجهة النظام المأيوي ...الخ  ربما كان ذلك هو السبب في ( التصنيف ) .. أنا لا أنكر مواقفي ومبادئي ولا أتنكر لتجارب العذاب الطويل في سبيل الوطن والناس ولا زلت أمسك علي جمر الثوابت في الإلتزام بكل ما أؤمن به .. تلك هي ( أنفاسي ) ومعني ( وجودي ) ولكن لماذا يصر بعض الناس بل الكثير من الناس أن يرتبط كل ما تفعله وما تبذله وما تدفعه من ( وجع خرافي ) وما تثبته من ( مواقف ) وما تنجزه في سبيل الآخرين .. لماذا يصرون بأن يرتبط كل ذلك برأية ( الحزب الشيوعي ) ؟ هذا ليس عدلاً .. أنني أدفع ثمناًَ غالياً علي درب مواقفي ورؤاي ... هذا للوطن والناس وليس ( لحزب سياسي ) لا أنتمي إليه ( للحزب الشيوعي ) مبدعين أحبهم وأحترمهم ويحملون بطاقته ولكني لست منهم .

      أعلم أن الكثير من الناس لا يستطعون تصديق ذلك بسهولة .. ولكن تلك حقيقة يعلمها الشيوعيون أنفسهم .. بل بصراحة شديدة أن أكبر ثغرة في ثقافتي العامة هي أنني لم ( أقرأ الماركسية ) بالطبع هذا عيباً ، فيجب أن تفهم الأشياء قبل أن تحدد موقفاً منها .. وأعتقد أنني قد أوضحت بعد الإنتفاضة ومن خلال برنامج ( شرف الكلام ) التلفزيوني حقيقة علاقتي بالحزب الشيوعي .

* أنت كمن تنفي تهمة ؟

     بل أوضح حقيقة .. ثم ماهو الأهم .. مواقفك العملية وإستماتتك علي المباديء إلتزاماً بالدفاع عن الحق والخير والجمال .. أم بطاقة حزب ما ...؟ هل الأهم لجمهور هاشم صديق هو ما يقوله ويفعله ويكتبه ويبذله .. ام أن يكون منظماً حزبياً ؟! المواقف ليست كلها هي ( راية أحزاب ) .. كما أنه ليس كل ( حزبي ) بالضرورة هو صاحب مواقف مبدئية .. المهم هو أن لا تبيع نفسك .. ولا تخون الجماهير .. ولا تنحر وطنك .. وليس البطاقة الحزبية .

* البعض يعتقد أنك ترفض التنظيم الحزبي لأنك معتد بأدواتك ومغتر بها ؟

    أنا معتد بأدواتي .. لان الشعب السوداني يقدرها ويحبها .. معتد بقدرتي علي الصمود في مواجهة الخطوب في الخاص والعام .. ولو علم الناس كل تفاصيل ما حدث في رحلة عمري لما صدقوا أنني حي .. أو لست نزيلاً في ( مصحة عقلية ) أنا لم أشتكي يوم ( لحزب ) أو ( جماعة ) ولم أصرخ طالباً الإستغاثة .. أحياناً أشعر بأني ( قلم وحيد ) و( جرح وحيد ) و ( غابة ) من الشوك و( حقلاً من الجمر ) ولكني أبلع غُصتي وأكره أن أستجير في وحدتي المؤلمة براية حزب ، أو أمان نظام سياسي .. هي رحلة سوف تنتهي آجلاً أو عاجلاً ، ومن المهم أن تكون نفسك ، وأن لا تفعل إلا ما تؤمن به . مهما حاصرتك الهموم والضغوط ، وفي غمرة كل الأتراح هنالك دائماً شيء مثل ( لشغة المطر ) يرطب حمي العذاب هو ( حُب الناس ) وقبل كل ذلك عين الله ترعي وتري .

* كيف تري تجربة معارك مسلسل ( طائر الشفق الغريب ) و ( دراما 90 ) الصحيفة الآن بعد ثلاث سنوات من خمود عنفوانها ؟

     أستطيع أن أناقشها وأقوم بتحليلها الآن بلا إنفعال وقد أخرجت ( قبل فترة ) كل الأرشيف الصحفي لتلك التجربة المهولة ، وبدأت في مطالعته من جديد وتمحيصه وترتيبه وسوف أقوم بالكتابة عن كل التجربة من منظور نقدي ، بالإضافة الي توضيح بعض الحقائق التي لم تذكر من قبل ، والتي تم إكتشافها مؤخراً أيضاً ولدي سلسلة مقالات سوف تنشر قريباً في صحيفة ( المجالس ) .

 * لازال بعض الناس لا يفهمون لماذا لم تقُم بالرد علي مقالة وزارة ( الثقافة والإعلام ) وتركت الأمر معلقاً والمعركة كانت في ذروتها ؟

    ذلك كان ( رأي الشارع ) وقد إحترمته ...إذ أن الكثير من الناس كان يرون أن مقالة ( وزارة الثقافة والإعلام ) لاتستحق الرد ، لأنها ترد علي نفسها بنفسها في مستوي ( الهبوط ) التي وصلته ، وهي مقالة تصدر باسم (  وزارة الثقافة والإعلام ) وكان الناس يقولون أن ( الناطق الرسمي ) بإسم الدولة خرج عن طوره . بعد أن حاصرته مقالتي الموجهة لوزير الثقافة والإعلام ( الأسبق ) وأن جهة رسمية رفيعة المستوي ( كما يفترض ) تفرد حيزاً كبيراً ( لشتم ) أحد المبدعين بمثل ذلك ( التحامل ) وإستخدام ( آيات القرآن ) .. التي نزلت علي الكفار ، هذا علي مستوي الشارع الذي  يري أيضاً أن الذي تشتمه( الحكومة) لابد أن يكون في مستوي الندية وهو في تقديرهم رمزاً ( لجسارة وبطولة) .. أما علي مستوي العقلاء داخل النظام السياسي فقد أحزنتهم المقالة وقد قدروا ضررها السياسي .. اما وفي التلفزيون كانت هنالك سعادة عارمة ( بالمقالة ) من مسؤول كبير ، وموسيقار ، وشاعر ، وأحد كوادر النظام السياسي الحاكم علي رأس إحدي الإدارات ، خصوصاً عندما صمت أنا عن الرد ، وإعتبروا الأمر ( نصراً ) لهم و (هزيمة لي ) نعم بمثل ضيق الأفق هذا . بل لقد تخلي أحدهم عن حذره وإعترف صراحة لاحدي الصحف بأنهم كتبوا المقالة للوزير بإسم ( وزارة الثقافة والإعلام ) ( العلاقات العامة ) وان المعلومات التي وردت في تلك المقالة خرجت من التلفزيون .. وهنالك أخطر من ذلك سوف أكشفه في مقالاتي التي سوف أنشرها قريباً.

* هذا يعني أنك سوف تنكأ الجروح من جديد ؟

     لا بل سوف أستكمل حلقات المعلومات للناس .. فذلك تاريخ وسوف يعود الناس لأرشيفه في يوم من الأيام .

*هل هنالك شيء تود أن تقوله الآن للأخ سليمان محمد سليمان وزير الثقافة والإعلام الأسبق بعد تلك الفترة ؟

      لا .. لقد قلت له ما أود قوله وهو داخل السلطة ولن أقول له الآن شيئاً وهو خارج السُلطة ( لقد أحسن أهلنا تربيتنا ) .. والرجل مهما كان خلافي معه إلا أنني أعلم أنه كان ضحية ( لثعالب التلفزيون ) فقد زودوه بمعلومات خاطئة وكاذبة وأثاروه ضدي .

* إستقالتك من المعهد العالي للموسيقي والمسرح .. ما هي أسبابها والا تري أنها هروب من أزمات الواقع رغم حاجة الطلاب إليك ؟

    أسمع يا أخي .. أنني لا أؤمن بأسطورة ( البطل الفردي ) الذي يبارز وحده في كل مكان لينتصر لخير أو قضية .. في بعض الأماكن تصبح هذه ( دونكشوتية ) ما يحدث في معهد الموسيقي والمسرح هو هم جماعي يجب أن يمس ضمير ووعي جميع الأساتذة لقد كان من الممكن أن أكون قد خرجت من معهد الموسيقي والمسرح منذ سنوات طويلة لو كان الأمر يتعلق بضرر ذاتي . أو ظلم فردي ( وقد حدث لي ذلك كثيراً في المعهد) .. لما قررت الإستقالة .. ولكني ومنذ العام الأكاديمي المنصرم كنت أحس بأن علاقتي بالمعهد مثل الحب الخاسر قد شارف علي إسدال الستار .. بالنسبة لي كان الإنهيار الأكاديمي والإداري قد بلغ ذروته ، لقد كنت أحس بالخجل وأنا أقف أمام طلابي لتدريسهم لأن أبسط ما أحتاجه أحياناً لتدريس بعض المواد غير متوفر مثل النسخ الكافية من المسرحيات مثلاً .. وكنت لا أستطيع الإحتجاج علي حضور ( طالب متأخر) لمحاضرة لأن ( وسائل الترحيل ) بالمعهد كثيرة الأعطال مما يستدعي تأخير الطالب والأستاذ علي السواء .. وكنت أتميز غيظاً وأنا اراقب بعض الإمتحانات لان الأسئلة مضحكة .. وبعض المصطلحات مكتوبة خطأ .. بل أحياناً حتي اللغة العربية في صيغة السؤال خاطئة .. وكنت مندهشاً لمستوي بعض الأساتذة ومناهجهم ( المقطوعة من رأسهم ) ولم يجزها مجلس أكاديمي ( ولا يحزنون ) .. وبلغت المأساة ذروتها في إمتحانات الدبلوم للطلاب النهائيين .. فقد كنت أُلاحظ كعضو لجنة امتحان أن بعض الطلاب كانوا OFF POINT)  ) في أسلوب إخراجهم ( لمسرحية التخرج ) وعندما نواجه الطالب ( في مناقشة لجنة الإمتحان لمشروعه ) بذلك نفاجأ بأن الأستاذ المشرف علي مشروعه لم ينبهه بكونه ( OFF POINT  ) ويضعه علي الطريق الصحيح ، وتلك مهمة المشرف ، وأهمية الإشراف أن تقود الطالب لتفجير قدراته والإستفادة من الذي تعلمه .. وفي مثل حالة المدخل الخطأ عليك أن تقوم بتنبيهه وتقوده للطريق الصحيح .. وليس المقصود في مثل هذا النوع من الإمتحانات أن تترك الطالب يفعل كل شيء دون مشورة الي توريطه الي درجة ( خطر الرسوب) ..هذا بالإضافة وبصراحة شديدة كان من بين أعضاء لجنة الإمتحان من يحتاج هو نفسه لإمتحان ، وكانت مناقشتهم لبعض الطلاب تجعلك لا تكاد ترفع عينيك عن الأرض خجلاً .

* الم يكن من الممكن تنبيه عميد المعهد للأخطاء التي صاحبت إمتحانات الدبلوم خصوصاً ما يتعلق بموضوع الإشراف علي مشروع التخرج ؟

   لقد تم ذلك وقد اقترحت أنا شخصياً أن نجتمع بعد الفراغ من الإمتحانات لتقويم تجربة الدبلوم وقد إستجاب الأخ / العميد مشكوراً ولكن هنالك ( تراث شعبي ) في المعهد العالي للموسيقي والمسرح هو أن الإجتماعات تصبح ( فضفضة ) في وسط الصحراء في كثير من الأحيان وينسي الناس ما قالوه وما إقترحوه .. والكوارث لا زالت مستمرة . فقد كنت حريصاً جداً بعد أن تركت المعهد ، أن أتأكد من أن مناهج المواد التي كنت أقوم بتدريسها تدرس بصورة سليمة .. ولقد فُجعت عندما علمت بالتغيير الذي حدث في المناهج ، والذي أحدثه الأساتذة من تلقاء أنفسهم ودون  الرجوع لأي ( سُلطة أكاديمية عليا ) كما أن أسلوب التدريس نفسه ( خرمجة ) ما أنزل الله بها من سلطان ، ولو صح أن المناهج التي وضعها ( خبراء ) يتم تبديلها وتغييرها بهذه الصورة العشوائية دون مناقشة الجهة المسؤولة تصبح الفاجعة أكبر ولو كان عميد المؤسسة يعلم بذلك تصبح تلك مصيبة كبري .

* لذلك كان وجودك هام .. الخروج يجعل الأزمة تتفاقم ؟

    يجب الأ تعتمد المؤسسة الأكاديمية علي (أستاذ محدد ) في مجموعة من المواد ودائماً بل يجب أن يكون هنالك البديل المؤهل .. ليس هنالك ( خلود أكاديمي ) مثلما أنه ليس هنالك ( خلود في الحياة ) .

* يقال أن إستقالتك تم قبولها بسرعة ؟

    نعم .. هو أسرع قبول لإستقالة في تاريخ التعليم العالي .. علمت أن أحد الوزراء إتصل لمنع قبول الإستقالة ، ولكنها كانت قد قُبلت من مدير جامعة السودان .. نعم هذا ما أردته وهو قرار نهائي لا رجعة فيه وربما كانت سرعة قبول الإستقالة ، وما صاحبها من قبل ، تؤكد ما وصل إليه حال هذه المؤسسة .

* ربما كان البعض سعيداً بأن ( تخرج ) من المعهد ؟

    نعم .. نفس الذي حدث ويحدث لنا في أجهزة الثقافة والإعلام من محاولات تشويه وإرهاب سياسي وإيقاف .. الخ حدث لنا في المعهد والوثائق موجودة ، ويسعدني أن تنشر بعضها ( ظلال) لقد تم إعتقالي بواسطة ضابط من جهاز أمن الدولة ومن داخل المعهد في عام 1979م وكنت قد أتيت للمعهد في ذلك اليوم بالصدفة فقط ، وقد إتضح أن هناك من اتصل ( بجهاز الأمن ) ناقلاً لهم أنني موجود بالمعهد وكان حينها يذاع مسلسلي الإذاعي ( الحراز والمطر) وقد قضيت ثلاثة أشهر ( بسجن كوبر ) حدث أيضاً أنني اختلفت مع أحد عمداء المعهد ( نصف طاغية ) وكان خلافاً مبدئياً أكاديمياً وقد استغل الرجل ( سُلطته ) وأوقفني عن العمل وقدمني لمجلس محاسبة بتهم ملفقة مؤسفة ، ووقفت أمام لجنة تحقيق بالمجلس القومي للتعليم العالي . وقد سقطت كل التهم بعد التحقيق وقد تسلمت خطاب ( البراءة ) بتوقيع بروفيسر ابراهيم أحمد عمر وزير التعليم العالي الذي أكد أن اللجنة تأكدت بأن كل التهم التي وجهت لي غير صحيحة ، وقد طالب بأن ترفع الأضرار عني ، وعندما طالبت بأن يحاسب من قاموا ( بتلفيق التهم ) قفل ملف القضية ..

    يا أخي .. آخر ما قدمه لي المعهد من أوسمة علي إنجازاتي هو أنهم أوقفوا مرتبي وأنا في إجازة بدولة الإمارات وكان المعهد نفسه في إجازة ، وقد أرسلت خطاباً بالبريد السريع طالباً مد إجازتي وكنت حينما أوقفوا مرتبي أتجول أنا وشقيقي ( أبوالقاسم ) بين محلات الفيديو نبحث عن أشرطة فيديو لأعمال مسرحية أشتريها ( من حُر مالي ) لتحديث وسائل التدريس بالمعهد في بعض المواد مثل مادة ( دراسة وتحليل ) الغريب أن أحد الأساتذة ولأعوام ، لم يقم بتدريس محاضرة واحدة ، ولم يوقف أحد مرتبه ، أو يستوضحه أحد ، أو تحيله سُلطة ( للصالح العام )

* لماذا ؟؟

        هو أحد كوادر النظام السياسي الحاكم .. ولذلك فتلك حالة إستثنائية بالطبع .

* وماذا تتوقع لمستقبل المعهد في ظل الظروف التي تحدثت عنها ؟

      أتوقع  أن لا أكون آخر الخارجين من بوابته من الأساتذة ..وقد فقد المعهد من قبل معظم كوادره من الأساتذة قسراً واختياراً .. وأتوقع أن يستمر تدهوره الإداري والأكاديمي حتي يلفظ أنفاسه الأخيرة .. المعهد الآن مثل ( مريض السرطان ) في مراحله الأخيرة .. نخر المرض في جسده ولا يستطيع أخي (دكتور ) أحمد عبالعال – وهو رجل احترمه – أن يعالج مريضاً بالسرطان في مراحله الأخيرة .. المسكنات .. وانصاف العمليات الجراحية ، ومحاولة رد الروح لجسد ميت ، ومحاولة تهوية غرفة  المريض في جو خانق ، كل ذلك لا يجدي ، لقد أوكلت مهمة رد الروح للمعهد لأخي د. أحمد عبدالعال في ظروف بالغة الصعوبة .. ولكني رغم كل شيء أتمني أن تحدث ( المعجزة ) ( رغم أن هذا ليس زمن المعجزات ) .. ويسترد المعهد ( العريق) أنفاسه .. أنا شخصياً أتمني ومن كل قلبي أن يحدث ذلك فتلك المؤسسة بعض تكويني الوجداني ، والثقافي وذخيرة تجارب صقلت أدواتي ، ولا أتمني لها إلا كل خير رغم فجيعة ( الحب الخاسر )

* مسرحية ( وجه الضحك المحظور ) هي مثل ( نبتا حبيبتي ) تعبر عن رداءة الواقع المعاش .. ولكن خصومك يقولون أنها ( ذاتية ) تعبر عن شجونك ؟


    لقد تحدثت كثيراً حول هذا الأمر ولا أود أن أكرر تفاصيل ما قلته من قبل .. ولكني فقط أقول أن أي كاتب لايستطيع أن يعزل إبداعه عن تجاربه الذاتية .. تلك التجارب هي مداد فكرة وموضوع ما يطرحه .. تجارب الكاتب وكتاباته يتداخلان ويتمازجان وتلك حقيقة هي ( ألف .. باء ..تاء ..ثاء ) إبداع ، ولا تحتاج ( لدروس خصوصية ) ( عصرية ) أو صباحية في الإجازات المدرسية ولكن الكاتب يستلهم تجاربه ( كموضوع ) لإبداعه ، وليس ( قصة ) لإبداعه .. أنا لا أحكي في كتاباتي ( قصة حياتي ) وإنما أستفيد من تجارب حياتي في الخاص والعام لأقول شيئاً يفيد الآخرين .. ( وجه الضحك المحظور ) هي تجارب وشجون ذاتية ( كموضوع للمسرحية ) وليس ( قصة للمسرحية ) والمسرحية عبرت عن بعض شجون وقضايا الإبداع والمبدعين وهي مرافعة عن حق الإبداع في الحرية وضد الإرهاب والقهر السياسي للمبدعين ، وتلك هي قضية ( هاشم والآخرين ) .

* ماهو أجمل شيء خرجت به من فترات الإعتقال السياسي إبان مايو ؟ وهل حقيقة أن السجن هو إستراحة المحارب ؟

     لقد تم إعتقالي في فترة مايو مرتين .. مرة عند عودتي للسودان عام 1977م من لندن – بغداد وذلك بعد إستقالتي الشهيرة عن العمل إحتجاجاً علي تشريد وإعتقال بعض زملائي ، وقد أصدرت حينها مجموعتي الشعرية السياسية ( أذن الآذان ) وكان إعتقالي قد تم بعد هبوطي من الطائرة أمام سلم الطائرة وأمام سلم الطائرة تماماً وقد كنت أتوقع ذلك .. وقد قضيت يوماً وليلة في تحقيق مرهق وعصيب ثم بعد ذلك تغيرت المعاملة بعد ظهور ابن خالي لواء محمد ميرغني محمد الطاهر ( تقاعد برتبة فريق ) وأذكر أن رئيس جهاز أمن الدولة آنذاك كان ( علي نميري ) وقد قضيت فترة قصيرة في الإعتقال بعدها تم إطلاق سراحي – المفارقة أنهم كانوا يقومون بحراستي ( بمدفع رشاش ) رغم أنني أصدرت ( مجموعة شعرية ) ولم أقم ( بمحاولة إنقلاب ) ولكنهم كانوا ( طيبيبن واولاد بلد ) ضباط أمن دولة وجنود وقد كانت أيام جميلة لا تنسي .. أما الفترة الثانية فقد كانت في عام 1979م عندما أعتقلت من داخل المعهد وقضيت ثلاثة أشهر وقد وجدت نفسي في مكان واحد ( بكرينتينة جيم ) مع ( عتاة المناضلين ) د. محمد سليمان ، كمال الجزولي ، حمزة زروق ، محمد سعيد القدال وغيرهم .. هؤلاء حولوا السجن الي مكان جميل محاضرات عن القانون والتاريخ والمسرح والإقتصاد وأمسيات سمر ومباريات كرة قدم .. كنت كمن يقضي إجازة جميلة في رفقة مدهشة .. حقيقة السجن هو ( إستراحة المناضل ) خصوصاً وهنالك من يستطيعون تحويله الي مكان ( سهل الإحتمال ) ولكنه استراحة قد تطول أحياناً  كما حدث بالنسبة لي ولكن هنالك بالطبع أهوال ( خارج المعتقل ) ولكن ( اللهم لا من ولا أذي ) فكل الخطوب تهون من أجل الوطن والناس .

* هل كانت هنالك طرائف في فترة الإعتقال ؟

     نعم .. أذكر وبعد إعتقالي من داخل المعهد .. ذهبوا بي الي منزلي وقاموا بتفتيشه .. وكان مع الضابط بعض الجنود ( وكلهم في ملابس مدنية ) وأثناء التفتيش عثر أحد الجنود علي مسودة لمسرحية شعرية معروفة أظنها كانت ( أحلام الزمان ) وقد ظن الجندي أنه قد عثر علي صيد ثمين كأن تكون المسودة ( أشعار ضد الحكومة ) وصاح مبتهجاً وهو يخاطب الضابط ( سعادتك أهو ده شعر بتاع عمر الدوش ده ) وضحك الضابط رغماً عنه مصححاً ( ده ما عمر الدوش ياخي .. ده هاشم صديق ) الطرفة الثانية أنهم ذهبوا بي بعد إعتقالي أولاً الي ( حراسات الأمن ) وكان نهاراً رمضانياً شديد الحرارة .. ووجدت المكان مكتظاً بالمعتقلين ومعهم حقائب كبيرة لملابس وكنت أنا أحمل معي فقط جلباباً وسفنجة وفرشة أسنان ومعجون في لفافة ( كانت عبارة عن صحيفة) اندهشت لعدد الناس وحقائب السفر الكبيرة وكنت صائماً ومتوتراً ومحتاراً في سبب إعتقالي .. وأول شخص  وقع عليه نظري كان هو الصديق كمال الجزولي ، وقد أغاظني أنه عانقني معبراً عن فرحة عارمة بوجودي معه ..وكأننا في فندق أو في طريقنا الي رحلة .. وكنت في أي لحظة أتوقع أن يأتي من يطلق سراحي بإعتبار أنني لم أفعل شيئاً .. وقلت لهم لو أذيعت حلقة مسلسل( الحراز والمطر ) الجديدة بعد الإفطار فهذا يعني أنني سوف يطلق سراحي بإعتبار أن هنالك خطأً ما وبالفعل أذيعت الحلقة في موعدها ولكن لم يطلق سراحي .. وحل الليل وأغاظني أن كمال الجزولي وبقية المعتقلين كانوا يطالبون ضباط الأمن بأن ينقلوهم الي ( كوبر) ليناموا هناك ( ويستقروا ) بدلاً من قضاء الليل ( بحراسات الأمن ) كان هذا يحدث في الوقت الذي كنت لازلت أحمل ( لفافتي ) أنتظر الإفراج عني .. وبالفعل أُستجيب لطلب المعتقلين وجيء  بي ( ميني بص ) من(عربات الأمن ) وركب الجميع ( وأنا معهم بالطبع ) تحت حراسة ضباط الأمن .. والطريف أن صوت محمد وردي كان ينبعث من راديو ( الحافلة ) بأغنية عاطفية وكان جميع المعتقلين يغنون معه وبصوت واحد  حتي وصلنا الي سجن كوبر .

* هل لا زال الإحساس برفقة نضال الخندق الواحد لديك هو الآن هو نفس إحساس السبعينات ؟

    لا .. علي الإطلاق .. في السبعينات ورغم أنني لا أحمل بطاقة الحزب الشيوعي إلا أننا كنا جميعاً علي خط نار واحد .. الآن إختلفت الأشياء .. أنني أشعر حقيقة بالمرارة لأني كنت وحدي في تلك المعركة الشرسة القاتلة مع السُلطة والتلفزيون في عام 1992م لم يقف معي أي حزبي ولم يساندني كما علمت أنهم درسوا أرشيف تلك المعركة وكتبوا عنه في إصدارة حزبية داخلية ثقافية .

* ربما كان هنالك رأي في كونك ذهبت وتعاونت مع أجهزة الثقافة والإعلام تحت مظلة الإنقاذ ؟

    أنا سيد نفسي .. ذهبت الي تلك الأجهزة بإعتبار أنها أجهزة الشعب السوداني وقدمت ( دراما 90) و طائر الشفق الغريب .. والخروج عن النهر .. وصادمت وقاتلت في معركة بالغة الشراسة .. كان كل ذلك بالنسبة لي دافعاً وطنياً ومبدئياً في كل مراحل تلك التجربة .. أنني أكره أن أبتعد عن كل المنابر في إنتظار سقوط الأنظمة لأصعد بعد ذلك وأغني للناس والحرية .

    وقد كان هذا منهجي باستمرار .. أن لا أقبع في مقاعد المتفرجين في إنتظار أن يذهب وضع أو نظام سياسي لا أتفق معه .. في فترة ( مايو) كتبت وقدمت أحسن أعمالي الدرامية ( أحلام الزمان ) و ( نبيتة حبيبتي ) و ( قطر الهم ) و ( الحراز والمطر ) و ( الحاجز ) وأصدرت مجموعاتي الشعرية ( كلام للحلوة ) و ( الزمن والرحلة ) .

* وفي الإنقاذ ماذا قدمت ؟

     الكثير ( دراما 90) بكل زخم النجاح الذي حققه ومسلسل ( طائر الشفق الغريب ) بكل ما أثاره من جدل ونقاش ومعارك وقدمت للإذاعة أنضج أعمالي الدرامية علي الإطلاق مسلسل ( الخروج عن النهر ) بالإضافة الي الكتابة الصحفية بإنتظام لفترة في ( ظلال) والآن أقوم بالكتابة لصحيفة ( المجالس ) هذا بالإضافة الي أن مجموعتي الشعرية الجديدة ( الوجع الخرافي ) في طريقها للمكتبات وأخري تحت الإعداد للنشر .. ما أود أن أقوله يجب أن يجد المبدع طريقاً للتواصل مع جمهوره حتي وإن فقد منابر أجهزة الثقافة والإعلام الرسمية .

* وهل هنالك مبدعون ينتظرون سقوط الأنظمة السياسية ليقوموا بنشر وتقديم إبداعهم .. ثم ما قيمة ذلك إذا لم يكن الإبداع معبراً عن لحظته ؟

    هم يكتبون نعم .. ويؤرخون لتجاربهم الوجدانية والفكرية والسياسية .. بعضها يخرج للناس من خلال منابر غير منابر الثقافة والإعلام الرسمية .. وبعضها ينتظر سقوط الأنظمة السياسية .. وبالطبع هناك من يثبت موقفه من أجهزة الإعلام والثقافة والرسمية علي أساس مبدئي وهو أن تلك الأجهزة هي أجهزة السُلطة السياسية .

* ولكن الواقع يؤكد ذلك ؟

         ربما من وجهة نظر السُلطة أو ما تثبته قرائن بعض الأحداث .. ولكن إذا كنت تؤمن بأنها غير ذلك فعليك أن تدخل من بوابة التجربة العملية وتحاول أن تنتزع حقك في أن تعبر من خلالها عما تود أن تقوله للناس في وطنك وأن تخدم من خلالها ذلك الوطن . وعندما توصد في وجهك الأبواب فذلك أمر آخر .. وتستطيع بعد ذلك أن تتجه لمنابر خارج أجهزة الثقافة والإعلام الرسمية في أماكن أخري .

* هناك تجارب لمبدعين سودانيين مع أحزاب سودانية ولا زالو جزء منها هل تري أن الفائدة العظمي تعود للإتجاه السياسي المعني ، ام تعود للمبدع ( المتحزب ) ؟ وهل تري من خلال قراءاتك للأحداث كناقد هل تري أن إنتماء المبدع لاتجاه سياسي ما يحد من إنطلاقة إبداعه وقدرته علي نقد الظواهر السياسية عبر تجارب الأيدلوجيات السودانية في الحُكم ؟

       المبدع الذي ينتمي لحزب سياسي يصبح مندغماً في هذا الكيان السياسي وهو يعبر عن ذلك الفكر ويدافع عنه ، ويبشر برؤاه ولا أعتقد أنه سوف يفكر كثيراً في كون أن الفائدة تعود إليه أو للحزب ، هي علاقة أخذ وعطاء وإيمان وبذل .. ولكن بالنسبة للذي ينظر من الخارج لعضوية حزب ما يضم مبدعين يلاحظ أن ( المبدعين ) أكثر بريقاً من الكوادر الحزبية الأخري وذلك بحكم خاصية الإبداع وقدرة تأثيره وإرتباط الفن الجميل بالفكر ، وذلك يحقق أثراً علي المتلقي أكثر من الخطابة وأكثر من ( المنشور السياسي ) قصائد محجوب شريف أقوي وأكثر أثراً وتأثيراً علي منشورات الحزب الشيوعي وهو لدي الجمهور أحب وأشهر من السكرتير العام للحزب . وذلك بسبب خاصية الإبداع وإرتباطه بالقيم النضالية لمحجوب شريف ، تناغماً مع قضايا الوطن وهموم أهله . ولكن تظل دائماً هناك مسافة بين كل مبدع وحزبه لأن خيال المبدع وتفكيره لا يستطيع أن يتناغم تماماً مع صرامة التنظيم وجفاف اللائحة وميكانيكية التنظير . الأمر الآخر أن المبدع طائر يعشق الحرية ويضايقه ضيق الفضاء الحزبي . كما أن كل مبدع حقيقي هو كائن نامي وجدانياً وفكرياً خصوصاً إذا كان منفتحاً علي التجارب وناهلاً من كنوز المعرفة ونافذ البصيرة وعميق التأمل .. لذلك هو ينمو وينضج ويري في كل يوم زوايا النظر للأشياء والعالم تتسع ، ويصبح موضوع الإبداع متجدداً ومتنوعاً وواسعاً وعميقاً وليس هو نظرية ( وأيدلوجيا ) ثابتة مقدسة تصبح هي النافذة الوحيدة المشروعة للتحديق علي الدنيا ولتفسير كل ما تري . هذا شيء يخنق الأنفاس ويتناقض مع حقيقة أبجدية هي أن الأشياء تنمو وتتسع بالنسبة لكل إحساس وعقل يملكان خاصية التأمل والتحليل .. ثم ان هنالك ماهو أخطر وهو أن نظرة الفن ناقدة وتؤشر علي المثالب ونواحي القصور ولا أعتقد أن عصا ( اللائحة ) يمكن تسامح في أمر كهذا خصوصاً فيما يتعلق بالحزب .

* ( الفنان والسُلطة ) – أزلياً لم يكونا علي وفاق دائم .. ولن يكونا .. ولكن كيف السبيل الي الحد الأدني من الإتفاق ؟

    أن تؤمن السُلطة بحق الفنان في مساحة الحرية التي تعنيه ليفجر طاقاته الفكرية والإبداعية لخدمة الحق والحقيقة وأن يقدر الفنان مساحة الحرية التي يستخدمها بأن يكون ضميراً لوطنه وأُمته . وأن يكون علي قدر مسؤولية تلك الحرية .. ولكن بالطبع هذه المعادلة قابلة كثيراً ( للخرق ) خصوصاً من جانب (السُلطة) لأن السُلطة – أي سُلطة – لا تتحمل أن تسمع كلمة ( لا) بصوت مرتفع .. و (لا) الفنان موجعة لأنها لو صدقت بصيرتها وأسبابها تكون ( لا) غالبية العظمي من الجماهير ، لان الفنان ( الضمير) نافذ البصيرة راجح العقل ، لديه حاسة النبوءة بالزلازل والأعاصير ، وهو طائر ( البشارة ) الذي يحب أن يشقشق خارج ( القفص ) .. وهو يستطيع أن يري ما لا تراه ( السُلطة ) وما لا تريد السُلطة أن يري .

وبصراحة سوف تظل علاقة الفنان والسُلطة علاقة تنافر وتضاد الي أن يرث الله الأرض وما عليها .. ومسألة ( الحد الأدني من الإتفاق ) سوف تظل مضموناً ( غائماً وتجريدياً ) وصعب ( الواقعية ) .

* أجمل إبداعنا هو الذي صدر في الأنظمة الديكتاتورية .. هل هذا يعني أن المعاناة تولد الإبداع ؟

    نعم المعاناة تولد الإبداع .. ولذلك فإن أجمل إبداعنا صدر في ظل كل الأنظمة السياسية .

 * ( حاجة فيك ) كانت هي القصيدة الوحيدة التي تعاونت بها مع المبدع مصطفي سيدأحمد لماذا توقف التعاون بينك ومصطفي سيدأحمد في هذه الأغنية فقط ؟

    ليس هنالك من سبب أكثر من ظروف عدم لقائي بمصطفي منذ هجرته من السودان إذ كانت آخر مرة التقيت فيها به هي عند وفاة والدتي عام 1990م حضر هو وأخي العزيز الشاعر صلاح الدين حاج سعيد للعزاء وتجاذبنا أطراف الحديث الحميم وإفترقنا . وفي عام 1992م أهديته قصيدة إسمها ( ميلاد ) نشرت في صحيفة الخرطوم بالقاهرة وأرفقتها بإهداء له وأوصيت بأن تُسلم له ، ولم أقرأ القصيدة عندما نُشرت ولا أعلم هل نشر ( إهدائي ) ام لا ، ولم أسمع بما يفيد عن مشروع التعاون بيني وبينه من خلال قصيدة ( ميلاد ) أي شيء . الي أن أُتيحت لي فرصة التحدث معه تلفونياً من ( رأس الخيمة ) في رحلتي الأخيرة للإمارات .

* ومتي كان ذلك ؟

    في أكتوبر من العام الماضي وقبل أشهر قليلة من موته وقد قصدت أن لا أحكي قصة المكالمة التلفونية وما تبعها من أحداث لأنني لاحظت مبلغ الإثارة و ( المتاجرة ) التي كرستها صُحف بعينها في إستثمار ( موت مصطفي ) وقد خفت أن يستثمر حديثي ضمن ما أستثمر حول أحداث ما قبل موته وبتلك الطريقة المؤسفة التي ضايقتني .

* هل من الممكن أن نسمع الآن ويسمع معنا جمهور مصطفي سيدأحمد قصة تلك المكالمة وما تبعها من أحداث ؟

     نعم .. هذا ظرف مناسب والمكان نفسه مناسب .. حدث أن غادرت السودان في منتصف سبتمبر من العام الماضي في رحلة ( إجازة ) للإمارات لزيارة شقيقي الأصغر أبوالقاسم ، وبعض الأصدقاء الأعزاء، وفي منتصف أكتوبر اتصلت تلفونياً من ( رأس الخيمة ) بمدينة الدوحة وحادثت صديقي العزيز عبدالرحمن نجدي وهو أيضاً من أقرب أصدقاء الراحل العزيز مصطفي سيدأحمد وقد أعطاني ( نجدي) ارقام تلفونات كل الأصدقاء والذين أحبهم بمدينة الدوحة وكان من بينهم رقم تلفون مصطفي سيدأحمد وكان الرقم ولا زال محفور في الذاكرة هو ( 320955 ) ومفتاح الخط هو (00974) وفور فراغي من محادثتي مع عبدالرحمن نجدي أدرت رقم تلفون مصطفي سيدأحمد وبعد رفع السماعة وفتح الخط سمعت صوتاً ليس هو صوته يرد علي المكالمة ( علمت فيما بعد أنه صديقه الطبيب الذي لايفارقه ).. سألته إن كان هذا رقم تلفون مصطفي سيدأحمد ؟ أجاب بنعم .. وإستأذنته أن أحادثه إن كان موجوداً وسألني الرجل ( أقول ليهو منو ؟) قلت له ( صديق من السودان ) وبعد لحظات ترامي صوته لأذني بجرسه المحفور في الوجدان ، وبعد التحايا السريعة سألني ( منو انت ) قلت له ( حأقرأ ليك قصيدة يا مصطفي ونشوفك بعدها حتعرفني ولاّ لا ) وبدأت أقرأ له في التلفون وبإحساس عميق قصيدتي ( شكراً جزيلاً ) وبعد أن فرغت من قراءة القصيدة صمت للحظات ثم  جاءني صوته قائلاً ( والله القصيدة دي عجبتني يأخي .. انت منو؟ .. ( الكتيابي ) ؟ قلت له ( أخوك هاشم صديق ) وتبادلنا التحايا من جديد بحرارة شديدة وسألته عن الصحة قبل أي شيء .. وأجاب بمعنويات عاليه بما يؤكد تماسكه وصبره وتحاثنا لفترة وكان مهتماً بأن يعرف أخباري وإن كنت سأبقي خارج السودان أو أحضر للدوحة للزيارة وأكد إنقطاع أخباري عنه لبعده عن السودان وسألته إن كان تسلم قصيدتي ( ميلاد ) التي أهديتها له ؟ وإندهش ونفي علمه بها ، وإتفقنا علي أن نتحادث تلفونياً مرات أخري وأن أحاول زيارتهم بالدوحة وأكدت له بأنني سوف أرسل له قصيدة ( شكراً جزيلاً ) وقصائد أخري بالبريد بعنوان عبدالرحمن نجدي .

* وماهي تلك القصائد ؟

    كانت الي جانب ( شكراً جزيلاً ) قصيدة ( يا هامي ) وقصيدة أخري بالفصحي هي ( الحب والزمان) وبالفعل أرسلت القصائد بعنوان نجدي وقام بتسليمهم لمصطفي .

* وهل تحادثتما مرة أخري ؟   

     لا .. كنت قد غادرت رأس الخيمة الي أبوظبي لفترة شهر في ضيافة صديقي العزيز القاص الشهير عثمان حامد سليمان .. ولكن قبل ذلك أرسلت للأخ عبدالرحمن نجدي صور ( جواز سفري) و ( صور فتوغرافية ) لإجراء ( فيزا الزيارة ) لقطر وكنت أنوي أن أزور الدوحة في طريق عودتي للسودان لأُلتقي بنجدي ومصطفي سيدأحمد وبقية الأصدقاء .. المهم عُدت الي رأس الخيمة من أبوظبي بعد شهر . وفي إحدي الأُمسيات وبعد منتصف الليل رن جرس الهاتف وكان المتحدث عبدالرحمن نجدي وأخبرني بأنه بدأ إجراءات ( الفيزا) الخاصة بزيارتي للدوحة وسألته عن ( صحة ) مصطفي سيدأحمد . وأجابني بتأثر بما معناه أن مصطفي كاد أن يموت أثناء عملية غسيل كلي أجريت له إذ أُغمي عليه خلال عملية الغسيل ، وتأثرت لذلك ، وإنقبض صدري رغم تأكيد نجدي بأن مصطفي الآن بخير وبعد أيام كنت في مدينة (الشارقة) لفترة يومين بمنزل صديقي الأستاذ / يحي الحاج إبراهيم وزوجته الأخت الممثلة مني عبداللطيف وحكيت لهم بما رواه لي عبدالرحمن نجدي عما حدث لأخي مصطفي سيدأحمد أثناء عملية الغسيل للكلي . وقررنا أن نتصل بالأخ نجدي للإطمئنان علي صحة مصطفي ولكن جرس الهاتف ظل يرن لفترة طويلة دون أن ترفع السماعة .. وحاولنا عُدة مرات دون فائدة .. وأصابنا القلق لأن الوقت بتوقيت الدوحة متأخر بمعني أنه إذا كان نجدي وأسرته خارج المنزل فمن المفترض أن يكونوا قد عادوا للمنزل حتي ذلك الوقت .. وثارت هواجسنا وتضاعف قلقنا وخُفنا أن يكون قد حدث لمصطفي مكروهاً طالما أن نجدي وأسرته لازالوا خارج المنزل .. وأخيراً هدانا تفكيرنا للإتصال برقم آخر بمدينة الدوحة هو رقم تلفون الشاعر الصديق الأستاذ/ علي عبدالقيوم الذي أزاح عن صدورنا القلق الكبير علي صحة مصطفي سيدأحمد وأكد أنه الآن بخير وأنه أقام أمس حفل إستماع لأغانيه الجديدة .. فتنفسنا الصعداء .

* وهل سافرت الي الدوحة بعد ذلك ؟

    لا تأخرت إجراءات ( الفيزا ) للزيارة ، وعُدت للسودان علي أمل أن أسافر لقطر عندما تُرسل لي

( الفيزا ) هنا في السودان وكانت المفارقة أن تصديق الزيارة تم بعد وفاة مصطفي بفترة قصيرة ورغم ذلك أرسل لي الأصدقاء هناك رخصة الدخول للزيارة وطالعت تاريخ إصدارها وكان يوم 8/2/1996م وصلاحيتها لمدة ثلاثة أشهر من تاريخ الإصدار ورغم إحساس الإنقباض الذي كان ينتابني عندما أفكر في صعوبة الهبوط في مدينة الدوحة بعد أن غادرها مصطفي سيدأحمد إلا أنني حزمت أمري وأجريت كل إجراءات السفر وحجزت وأكدت الحجز وتلفنت لأصدقائي هناك موضحاً ميعاد وصولي ولكني وقبل يوم واحد ألغيت الحجز وعدلت عن فكرة السفر لوقت آخر .

* لماذا ؟

     لا أدري .. ربما هزمني ذلك الإحساس بالإنقباض والحُزن علي مصطفي .. ووجدت نفسي لا أستطيع تصور أن أزور الدوحة ولا ألتقيه وأعانقه وأتحدث معه وقد كانت فكرة الزيارة أساساً والحماس لها نابع من كوني سوف ألتقي بمصطفي وعبدالرحمن نجدي وأصدقاء آخرين .. وعندما رحل مصطفي أصبحت الدوحة بالنسبة لي رحلة مؤلمة .. ومن المفارقات أن أصدقائي هناك إنتظروني في المطار لأنهم لم يستلموا الإشارة التي أرسلتها موضحاً إلغاء سفري .. أيضاً أرهبتني كلمات موظف الخطوط القطرية عندما ذهبت لإسترداد قيمة تذكرة الطائرة .

 

* ماذا قال الموظف ؟

   عبر عن شعوره بالإرتياح لأنني ألغيت سفري وأضاف ولدهشتي بما معناه أن المدينة التي توفي فيها مصطفي أصبحنا نخشي علي مثلك منها .. كدت أن أبكي .. وقد توافق إحساس الأخ موظف الخطوط الجوية مع إحساسي .. لقد كان مصطفي فارعاً في حزننا عليه لدرجة أنه مدينة كاملة أصبح الهبوط فيها مستحيلاً لفترة طويلة لأنها إرتبطت به ومات فيها .

* وماذا بشأن الأغنيات التي أرسلتها له .. هل لحن بعضاً منها ؟

     سمعت أنه لحن بعض المقاطع من قصيدة ( شكراً جزيلاً ) وقد سمعت ذلك من أكثر من شخص ولكني لم أتأكد من ذلك تماماً .. والشخص الوحيد الذي يستطيع تأكيد ذلك أو نفيه بالنسبة لي هو صديقي عبدالرحمن نجدي بالدوحة وقد كان من أقرب أصدقاء الراحل العزيز وسوف أعرف منه الحقيقة بالضيط.

* كيف تري تجربة مصطفي سيدأحمد الفنية وألا تري أنه تجاوز من ظهروا قبله من ناحية تفجير ألحان جديدة ونصوص شعرية متمردة وكثيفة المعاني ؟


    تجربة مصطفي سيدأحمد بالنسبة لي هي موضوع دراسة متأنية أخطط لها وأتأمل حولها وسوف أكتبها وأنشرها علي حلقات وأتمني أن أوفق في أن أعطي التجربة حقها من الدراسة والتأمل والتحليل بما يتوافق مع قامة العزيز الراحل الإبداعية .

* غني لك أبوعركي أذن الآذا والوجع الخرافي وأضحكي ويقيني معاك وآخر المواني ..... و.......و..... هل إستطاع أبوعركي أن يوصل أحاسيس ومعاني كلماتك للناس ؟

قبل أن أجيب علي هذا السؤال أود أن أوضح حقيقة لايعلمها الكثير من الناس وهي أن أبوعركي صديقي منذ عام 1968 وعلاقتي به ظللتها روابط متينة من الود والتفهم والتفاهم والمباديء والآمال والأحلام المشتركة .. والدتي رحمها الله لم تحب أحداً من أصدقائي مثلما أحبت عركي وقد أجهش ( عركي ) بالبكاء عليها في ( خيمة المأتم ) مثلي ومثل أشقائي وأخواتي بصورة مزقت قلوب ممن كانوا تحت تلك الخيمة في ذلك الصباح الحزين من الأهل والأصدقاء والجيران .. وزوجة عركي الرائعة عفاف الصادق حمدالنيل هي أصدق صديقاتي وهي الظل الذي أبثه همومي ويناغم عقلي ويعزز صمودي .. وهي إمرأة وأرفة الشفافية وراجحة العقل وهي أخت وان لم تتشكل في رحم أمي .أما عن إجابة سؤالك فدعني أقول أن الروابط الإنسانية والمبدئية وأواصر الصداقة بين المبدعين تجعل للتناغم والتواصل الإبداعي عمقاُ وشفافية .. وقد بدأنا أنا وعركي رحلة التعاون الإبداعي من محطة الدراما الإذاعية حيث جسد عركي شخصية الراوي المغني في مسلسلي الدرامي الإذاعي الأول ( قطر الهم ) ولا زال الألق الذي بثه صوته وتجسيده الدرامي الموسيقي يرسخ بوجدان الناس الذين أحبوا ذلك المسلسل خصوصاً شعار المسلسل :

قطر ماشي
وعمي الزين وكيل سنطور
وزي ماالدنيا سكة طويلة
مرة تهدي
مرة تعدي
مرة تدور
عمي الزين محكرّ
في قطار الهم
يشَرّق يوم
يغرّب يوم
شهور ودهور
   ومنذ ذلك الزمان وصوت هذا الصداح الضمير الإنسان يبارك أعمالي الدرامية والغنائية وأشعلها جميعها نجاحاً وغرسها في وجدان الناس وعقولهم .. هل يذكر الناس مسلسل ( الحراز والمطر ) وصوت عركي يصدح بالشعار الذي أصبح أغنية محبوبة ( جاييكي يا آخر الموانيء ) والمسلسلات الدرامية الأخري ( الديناصور ) و ( طائر الشفق الغريب ) حيث صدح ( كل البنات أمونة يا خرطوم ) والأعمال الغنائية ( أضحكي ) و ( أذن الآذان ) و ( الوجع الخرافي ) وغيرها ولا زال هنالك ( بقية من حتي ) وسوف نظل علي العهد إبداعاً ومبادئاً طالما ظل يجسد كلماتي بالصدق الإبداعي العميق الذي لمسته في رحلة تعاوني الإبداعي معه .

* الأستاذ محمد الأمين غني لك الملحمة التي قدمتك للجمهور كشاعر – ماذا تبقي من مضامين الملحمة ؟ وفي إطار الأغاني العاطفية غني لك ( كلام للحلوة ) و حروف  إسمك و ( همس الشوق ) تري ما الذي يميز محمد الأمين من غيره من بقية الفنانين ؟


     ما تبقي من الملحمة من مضامين في تقديري هو كل مضامينها في تقديري وإلا لما صمدت لاكثر من ( ربع قرن ) أما ما يميز محمد الأمين في تقديري هو تلك القدرة المدهشة في التجسيد الموسيقي لمعاني الكلمات لاحظ ( الملحمة والتجسيد الموسيقي الدرامي في أغنية مثل ( الجريدة ) هو عبقرية موسيقية سوف تشغل الناس لعقود من الزمان لأنه قد سبق عصره وأعتقد أن الأخوة الموسيقيين من المتخصصين يستطعون أن يقولوا حديثاً أكثر ( علمته ) في شأن موهبة وقدرات الأستاذ / محمد الأمين الموسيقية ,

* بإعتبارك أحد النقاد المتخصصين الا تري أن المعهد العالي للموسيقي والمسرح فشل في تخريج نقاد علي مستوي الموسيقي والمسرح بما يسد الحاجة وكيف تثمن النقد الذي يجيء من الكتاب والصحفيين ؟

     المشكلة أن غالبية الذين تخرجوا من قسم النقد بمعهد الموسيقي والمسرح لم يمارسوا النقد عملياً من خلال الصحف والمجلات .. المشكلة ليست مسألة أن المعهد ( فشل في تخريج نقاد ) .. والوحيد الذي يكتب الآن بصورة منتظمة من خريجي قسم نقد معهد الموسيقي والمسرح هو الأخ أبوالقاسم قور ومن حملة الشهادات فوق الجامعية الأستاذ عثمان جمال الدين . أما بشأن النقد الذي يجيء من الكتاب والصحفيين في الصحف ( من غير الخريجين ) فهو يحتوي علي الغث والثمين وهذا شيء طبيعي ويحدث في أي بلد في العالم وأرجو أن لا نحاكم الأخوة الذين يكتبون نقداً في الصحف علي أساس أنهم من غير حملة الشهادات المتخصصة وتلك قاعدة سيئة في الحكم لأنه أيضاً ليس كل من تخصص في النقد هو بالضرورة ناقد متمكن .. أحياناً موهبة التحليل والقدرة علي التأمل العميق والتذوق الفني والقراءاة الكثيرة تخلق ناقداً متمكناً أكثر من خريجي الأكاديميات المتخصصة .. أين تخصص نقادنا الكبار أمثال الأساتذة عبدالهادي الصديق وعبدالقدوس الخاتم وعيسي الحلو ونبيل غالي و د. البوني وكمال الجزولي وغيرهم كما أتمني أن لا يعتقد البعض أن ( الإنطباعية ) هي ( سُبة ) بل هي تيار نقدي معروف وحتي النقد الأكاديمي مدخله هو ( الإنطباع ) فإذا لم أحس بالشيء فلن أتأمله حتي أنقده . نستطيع أن نحارب التقاليد السيئة في النقد مثل التحامل والعنف اللفظي والشتائم ولكن علينا أن نقدر جهد وحماس الذين يكتبون لنا في الثقافة والإبداع والرياضة في الصحف ، ما لها ( أوتار) صلاح الفكي و ( فيتو ) إسماعيل آدم و ( شيء من الفن ) للمعتق شيخنا ود إبراهيم و ( ترانيم ) محجوب محمد أحمد و ( مد الأفق ) صلاح شعيب وصفحات عبدالباقي خالد عبيد والزبير سعيد والقائمة طويلة .. فلندع الأزهار والأشجار تنمو وهنالك جيل طالع يحتاج للمؤازرة والتشجيع والتوجيه الموضوعي وليس النحر .

* كيف تري أبوالقاسم قور كناقد ؟

    أعتقد أنه ينمو ويتطور وذلك واضح من كتاباته الأخيرة ( يجب أن لا تجعلنا خلافاتنا وخصوماتنا مع الناس نجافي الأمانة ) .. وواضح أن قور يقرأ كثيراً بالإضافة الي أنه الآن يقوم بالتحضير في دراسات فوق الجامعية سوف تعين أدواته . فقط مشكلة ( قور ) العنف اللفظي ( واستقطاب عداء الآخرين ) دون مبرر والجنوح ( للإعتراك ) و ( الإحتكاك ) عليه أن يتجنب ذلك حتي يمكنه أن يقول ما يود أن يقول كناقد دون حاجه (للشجار ) ..الآن أراه أكثر رصانة وأتمني أن لايعود ( للتهاتر ) فقط أنصحه بالإبتعاد عن إستخدام المصطلحات الأكاديمية المعقدة في النقد و ( الكلمات الإنجليزية ) .. القاريء يحتاج للبساطة .. والبساطة لا تجافي العمق ، بل هي أنسب وسيلة للوصول للقاريء وتعليمه ورفع درجة تذوقه الجمالي .

* هاشم صديق معروف شاعراً أولاً .. ثم مسرحياً ثانياً .. وليس العكس ؟

    أها .. ويعني .. المشكلة شنو في دي ؟!!!

* لمن نشتكي طوب الأرض ؟

    وطوب الأرض عمل شنو ؟! .. عينك ( للقالب ) تطعن في ( طوبو ) ؟!

* علام شحوب الحراز .. والمطر ندي فقط ؟

    وعلام يصير المطر ( دمعاً سخيناً ) .. والسحاب بهي ؟!

* الحب مفردة خطيرة .. وخطورتها تتضاعف لدي الشاعر ؟

      نعم لأن الشاعر أكثر الناس ( إحتراقاً ) به .. وأكثر الناس ( إحترافاً ) له .

* كتاحة الوطن .. ام نسيم الحرية في لندن ؟

   في العصر الرومانتيكي الأول كانت الإجابة بالطبع ( كتاحة الوطن ) اما في العصر الواقعي ( الواقع ) يا حليلك يا إبر المطر .. ويا أيتها الأرصفة ( المغسولة بالثلج الصبح لعنة ) إن شاءالله شهرين بس .. فقط أرجو أن لا تكتبوا بالخط العريض ( هاشم صديق يهاجر الي فنادق المعارضة ) فقد فعلتموها عندما ذهبت في إجازة الي دولة الإمارات في العام الماضي .

* من هم أقرب أصدقاءك الآن من خارج الوسط الثقافي والفني ؟

    شقيقي د. حسن صديق .. فهو صديقي العزيز .. وناقدي الذي لا يجاملني .

* أجمل المسرحيات لم تعرض بعد ؟

    دي قديمة يا صلاح .. دي زي ( بديت حياتك الفنية كيف ؟!)

* هل إنتابك الفشل مرة تجاه عمل قدمته ؟

    طبعاً .. تمثيلية إسمها ( الخروف الهارب ) قدمتها للإذاعة في الستينات .

* نقد الذات كيف تمارسه ؟

    بمحاكمة نفسي ومحاولة ( فرز خيوط دواخلي ) أحمد الله لان ( نفسي لوامة ) ( ويا ما أنا وهي عقدنا جلسات طويلة ) .

* التضحية بالذات .. أحياناً لأجل الذات نفسه ؟

      الأشياء الكبيرة التي تعني أنفاس وجودك .. مثل حق الآخرين في الحياة الكريمة والحرية .. هنا عندما تضحي ( بذاتك ) كمن بذلتها في سبيل ( ذاتك ) نفسها .

* أيهم أكثر مرارة وخز الضمير .. ام ظلم ذوي القربي ؟

    وخز الضمير مؤشر بأنك لا زلت إنساناً وظلم ذوي القربي مراراته تشل طرف اللسان .

* هل ساورك إحساس أن هناك من يكتبون أجمل منك ؟

     المسألة ليست مسألة من يكتب أحسن منك .. وإنما هي من يستطيع أن يكتب بقامة وجعك وتأسرك عبقريته وشفافيته الشعرية . بالنسبة لي هما إثنان أحب شعرهما كثيراً و ( ارهبهما ) كما ذكرت في مكان آخر من قبل ويجعلاني أهتم بترقية أدواتي وأن لا أغتر وهما ( عمر الدوش ) و ( حميد ) .

* هل تحترم المبدع أكثر من خلال موقفه السياسي أم عبقريته الفنية ؟

    الإثنان معاً عندما يتعلق الأمر بالفن الذي يعبر عن الحق والخير والجمال وهنالك عباقرة من الفنانين يكفي أن تحترمهما من أجل العبقرية الفنية والموقف الإنساني .. والأمثلة كثيرة .. بيتهوفن ، سيزان ، سلفادور دالي ، تينسي وليامز ، الطيب صالح .....الخ .

* الجيل الجديد يري أنكم صرتم ( تقليديون ) أمام أنتاجهم ؟

     علي الجيل الجديد من المبدعين أن ينشغل بأدواته وترقيتها وأن يشق طريقه بقوة نحو الشمس .. في الإبداع صغر السن ليس دائماً علامة من علامات التجديد وثورة الإبداع ، بل التجارب والقراءاة وسنين العُمر والألم العظيم من شروط الإبداع العظيم .. عندما ظهرنا نحن كشعراء مثلاً كان هناك شعراء يكادون تغطية قرص الشمس بقاماتهم الإبداعية الفارعة ، في ذلك الزمان وجدنا أمامنا سيف الدسوقي ومحمد يوسف موسي والحلنقي وإبراهيم الرشيد وأبوقطاطي وعبدالله النجيب وغيرهم .. لم نشغل أنفسنا بهم أو نحاول تصغيرهم بل كانوا ولا زالوا بالنسبة لنا أساتذة ولا زالوا حلقة من حلقات تطور الأغنية السودانية لايمكن تجاهلها .. وأنشغلنا بترقية أدواتنا ونجحنا من خلال الفعل الإبداعي وليس من خلال (الحذلقة ) وتصغير شأن من أبدعوا قبلنا .. علي الجيل من المبدعين أن ينشغل بأدواته ولا يشغل نفسه بنا .. ويعتبرنا صنوا وهدفاً للمنافسة .. المسألة ليست بهذا التبسيط والإختزال .. لقد أصبح جيلنا والأجيال التي جاءت قبلنا وبعدنا حقيقة إبداعية من خلال التواصل الحميم مع الجمهور بالفعل الإبداعي .. ولسنا مخلدون وعلي المبدعين الشباب من الأجيال الجديدة أن يشحذوا أدواتهم ويفتحوا صدورهم للتجارب وعقولهم لكنوز المعرفة لانهم شمس المستقبل .

* إذن من هو الشاعر الذي لفتك من الجيل بإبداعه الحقيقي ؟

     أكثر من واحد ..إسماعيل الإعيسر ( أحبه شاعراً وإنساناً) و عاطف خيري  .. والصادق الرضي وغيرهم .

* كتاباتك بالفصحي أقل ..قياساً بكتاباتك العامية ؟

       هذا صحيح .. فأنا أساساً أكتب شعري بالعامية .. هذا لا ينفي أن أول مجموعاتي الشعرية الفصحي سوف تصدر هذا العام وهي بعنوان ( هذا المساء ) .

* لِمَ لا تكتب قصة قصيرة ؟

    هو أنا أكتب في كل شيء ؟!

* قراءاتك الآن ؟

     مجموعة كتب عُدت بها من رحلتي الأخيرة للإمارات لازلت أحتفي بها ومعي بعض الأصدقاء .

* كاتب عربي ؟

     أكثر من كاتب في الرواية والشعر والنقد .

* كاتب سوداني ؟

أنا الآن ( مشغول ) بكتابات الأستاذ / عثمان حامد سليمان وهو من جيل الإبداع القصصي الذي تفتح إبداعه الأدبي في الستينات .. هاجر لدولة الإمارات العربية المتحدة قبل أكثر من عشرين عاماً .. أصدر ضمن ما أصدر مجموعة قصص قصيرة بعنوان ( رائحة الموت ) وآخر إصداراته مجموعته القصصية ( مريم عسل الجنوب ) وقد عاصرت ميلادها وأنا في رحلة الإمارات العام الماضي ، ورأيت ولمست كيف إحتفي بها النقاد في الصحافة العربية والخليجية ، وكنت ضمن الحضور لندوة عُقدت لمناقشة مجموعته القصصية هذه بدار ( إتحاد  الكُتاب .. أبوظبي ) وإنبهرت بمستوي النقاش للمجموعة من الكُتاب الإماراتيين وكُتاب ونُقاد من جنسيات عربية أخري ، وقد شعرت حقيقة بالزهو لان هذا الكاتب السوداني قد حقق كل النجاح .. هذا بالإضافة الي مجموعة ( مريم عسل الجنوب ) للأستاذ عثمان حامد سليمان كانت ضمن قائمة الكُتب أكثر مبيعاً في معرض الشارقة الدولي للكتاب ضمن دورة إنعقاده العام الماضي .. من المحزن أننا لا نحتفي بمبدعينا ويحتفي بهم الآخرون .. بل أنني أتساءل بحرقة أين ( مريم عسل الجنوب ) في مكتباتنا رغم أنها صدرت عن دار نشر قاهرية معروفة كان من الممكن أن تقوم بتوزيعها في السودان أيضاً . وأنا من هنا أدعو صديقي ( عادل الباز ) ببيت الثقافة بأن يوجه دعوة لهذا الكاتب للحضور لوطنه وتكريمه شعبياً ونلتقي به في ندوة كبري نستمع إليه ونناقشه وأن نتناول أعماله بالنقد والتحليل في ( سنابل ) و ( المجالس ) و ( ظلال ) وغيرها .

* كاتب عالمي ؟

لازلت ومنذ أن كنت طالباً وحتي الآن ( مهووساً ) بالكاتب الأمريكي ( تينيسي وليامز ) .

* مسرحية تمنيت كتابتها وقصيدة أيضاً ؟

 انا أُعجب كثيراً بما يناغم عقلي ووجداني من مسرحيات وأشعار الآخرين ولكني لا أتمني أن أكون قد كتبت ما كتبوه .. ولماذا أفعل طالما كنت أكتب بما أري وأحس وأفكر .

* كيف تقضي يومك ؟

     الآن في الكتابة كثيراً والقراءاة قليلاً ، والسرحان أحياناً تحت ( ظل النيمة ) .

* كلمات تود أن تقولها للقراء قبل ختام هذا اللقاء ؟

     أتمني أن يعين هذا اللقاء الهام الناس علي فهمي ، وأن يجعل الذين يحبونني والذين لا يحبونني والذين يتفقون معي ان يفهموا منهج تفكيري ، وحقيقة ومعني مواقفي ، وأن يحكموا عليّ من خلال ما أكتبه وأقوله وأفعله إلتزاماً بضميري كمبدع وإيماني بقضايا وطني وشعبي وأن لا يصبح المنظور هو راية ( حزب ) أو كوة ( فكرسياسي ) لا ألتزم به . وأن يكون ما قلته في هذا اللقاء حول الكثير من المواضيع هو ( المرجع النهائي ) الذي يزيل كل ( بلبلة ) أو ( غُموض ) حول منهج تفكيري ومعني مواقفي .. وأنا علي العهد كما كنت في المواقف والرؤي والمثابرة علي جمر ثوابت الدفاع عن الحق والخير والجمال حتي آخر أنفاسي .
 

والله علي ما أقول شهيد .

 
فارماس ... هو شخصية الشاعر و المغنى
 الذى يرمز للثورة فى مسرحية نبتة حبيبتى
وهو الذى إستطاع أن يغيِّر عادة ذبح الملوك
بالشكل الإنقلابى التى كانت تتم فى
الأسطورة القديمة وفى المسرحية
على السواء...
وهو فى النهاية يرمز إلى الإبداع فى
تغيير الوعى وتفجير الثورة وتغيير
النظم السياسية المستبدة

شـــــــــــرف الكـــــــــلام

أنا المديت شراع أفكاري
  في بحر الزمان تهت
طويت الدنيا بالأفكار
محل ما تميل أكون ملت
من الغالي وعظيم القول
 كتير مديت ايدي شلت
وشان الكلمة شرف الرب
وشان الناس تحس تطرب
وقفت أنادي في الأزمان
طهارة الكلمة في الفنان
وصدق الحرف في صدقو
وحصاد اجيالنا في شتلو
ولو داس الشرف خانو
قلوب الناس تسد الباب
تعاند طبلو والحانو

إحصاءات

زيارات مشاهدة المحتوى : 5082843

المتواجدون حاليا

يوجد حاليا 92 زوار المتواجدين الآن بالموقع
{jatabs type="modules" animType="animMoveHor" style="trona" position="top" widthTabs="120" heightTabs="31" width="100%" height="auto" mouseType="click" duration="1000" module="ja-tabs" }{/jatabs}