انت هنا في: الرئيسية المكتبة المقروءة مقالات وتحليلات قيثارة عمر الدوش السحرية

موقع الشاعر هاشم صديق

قيثارة عمر الدوش السحرية

... وقفت ( أمام كشك الجرائد) في صباح الخميس الماضي ، ابتعت صحيفتي ( المجالس) و(ظلال ) ، ودلفت الي داخل عربة تاكسي ( طراحة ) كنت الراكب الخامس وكان مكاني علي المقعد الخلفي جوار نافذة باب العربة اليساري .
...في ذلك الصباح خرجت أجرجر أقدامي .. وفمي بطعم الحنظل ( ربما كانت ملاريا ) وكنت أرفل في عباءة الاكتئاب ... يا الله كل الأشياء رمادية .. كل شي مسيخ وسخيف .. الطف بنا يا لطيف .. هذه الغُصة التي في حلقي .. وهذا الوهن البدني والروحي .. ونظرت الي الصحيفتين و أنا علي مقعدي داخل العربة .. أخرجت نظارتي ولبستني .. وبدأت بتصفح ظلال وعناوين و مانشيتات اللقاء الصحفي الرئيسي الذي أجري مع صديقي أحمد المرتضي أبوحراز ، ثم لفتت نظري كلمات أخي سعد الدين ابراهيم عن اسبوع الصحو الشعري وكلماته عن قصائد قرأها
 وسمعها لمحجوب شريف وشخصي وكمال الجزولي ، شعرت بنسمه تربت علي كتف ءاكتئابي ودبيب احساس جميل يحبو في تضاريس عالمي الرمادي .. كنت أعلم أن قصيدتي الجديدة ( ءانتبه ) احبها الناس ولكن نجاح القصيدة لم يطلي الكون الرمادي من حولي بلون ( فرايحي) ولم ينفخ في وهن بدني وروحي نفساً يفرد أجنحة معنوياتي لأحلق وأشقشق للحياة .. ولكن طارت نسمة وركت علي غصن وهني وابتسمت في مرارة وأنا أقرأ تعليق أخي سعد الدين ابراهيم في نهاية كلماته ( وتراجعت عن تقديم استقالتي من السودان ) وقلت لنفسي ولكن يا صديقي نحتاج نحن – الذين ذكرت قصائدنا بالخير – لاسباب وجيهة لكي لا نستقيل عن الحياة نفسها .. ربما كان هذا لسان حالي وأنا في قبضة يد ذلك الاكتئاب الرهيب التي كانت تعصر قلبي في ذلك الصباح .
...دلف هواء كبري النيل الأبيض بقوة من نافذة العربة واسقط الجزء الأعلي من عمامتي ، قلت لنفسي ( انشاءالله تقع كلها .. هو الماوقع في البلد شنو ؟ ) وتركت صحيفة ظلال جانباً بقرار انها والمجالس برنامج القراءة المتأنية بعد وجبة الغداء ، والصحف هي مثل بعض نماذج الزوجات بعضهن يثرثرن لغواً مسيخاً ومزعجاً دون أن يأخذن نفساً وهن يتمددن بجوارك ، والبعض يبثك نضماً جميلاً يداعب عقلك ووجدانك يجعل الزمان طاعماً وحاضراً .
...بدأت تصفح المجالس وأخذت اولاً اراجع عمودي( تراجيكوميديا) تحت عنوان ( عُقدة ساره) وعند السطر الثاني اكتشفت جُملة كاملة سقطت ، وزفرت ضيقاً وحركت جسدي بطريقة عصبية جعلت الشاب الذي كان يجلس لجوارى يقطع شقشقته الهامسة مع الفتاة التي تجلس بجواره وينظر نحوي متوجساً ، وقلت لنفسي ( تاني بمشي براي أراجع المادة حقتي) .. ثم واصلت تصفحي لصحيفتي ( المجالس) وتوقفت عند الصفحة الثامنة وبدأت أقرأ قصيدة عمر الدوش الجديدة ( ضل الضحي ) (عن صالح ود قنعنا ) ..


شميس المغرب الممحوق
تميل فوق وشك المحروق
تبين صفرة سنيناتك
بين ضُل الكلام مقلوب
تميل يا صالح الأيام
ولا عاشرت هدماً زين
ولا حتيت تراب السوق


...قفزت الغُصة التي كانت في حلقي الي عيني ، صارت سحابة وأمطرت دمعة ، ولدهشتي اهتز جسدي وخرج للحظة من حلقي صوت نشيج جعل الشاب ينظر نحوي متوجساً للمرة الثانية و يتضاير ملتصقاً بالفتاة أكثر وقلت لنفسي وأنا أمسك بطرف ( العِمة الواقعة ) وأمسح دمعة( مصايب قوم عند قوم فوائد .. أيا انتهازي ) وواصلت قراءة القصيدة ..


تفضل يا خفيف الضُل
ورُش جرجيرك البايت
وعد ليمونك الفَضَل
وكوّم حزنك الباير
وبيع من غير تشاور زول
تواريخ دمك الفاير


...ارتج العالم الرمادي ، واندلق لون أخضر في داخلِه، وشعرت تدريجياً بذلك الاحساس الذي ينتابني عندما أفرغ وجعي الخرافي في قصيدة .. راحة ناعسة .. وخدر واعي .. وتأمل وجسارة .. ومعنويات فارعة .. هذا ( العمر الدوش ) هو شاعر فارع الظل ومعتق بالشفافية .. وهو مثل (حميد ) أحبه وأرهبه ويذكرني بأن أنتبه لأدواتي ولا أغتر ، وكلما قرأت لهما قصيدة جميلة شعرت برغبة في أن أكتب شعراً أجمل مما كتبت سابقاً .
وواصلت قراءة القصيدة الي نهايتها :-

ويا عِزَة نَفِس بركت
متين بتسوي لينا جناح
واشيلك يا سعاد و أمرق
من الزمن الدني ونَباح


...وعندما ترجلت من العربة ، لدهشتي ، لم أعد أجرجر أقدامي ولم اعد أشعر بوهن جسدي أو روحي ، ولم يعد العالم مسيخاً وسخيفاً ، حتي الملاريا ( بت الكلب ) شرد حنظلها بفعل (قيثارة عمر الدوش السحرية ) .
- ويا عمر الدوش .. هوي .. يا أشعث .. يا مغبر .. انت قايل روحك هين ؟!!

صحيفة المجالس
الخميس الموافق 4/يوليو/1996م
( قبل وفاة الشاعر عمر الدوش بعامين )

 
فارماس ... هو شخصية الشاعر و المغنى
 الذى يرمز للثورة فى مسرحية نبتة حبيبتى
وهو الذى إستطاع أن يغيِّر عادة ذبح الملوك
بالشكل الإنقلابى التى كانت تتم فى
الأسطورة القديمة وفى المسرحية
على السواء...
وهو فى النهاية يرمز إلى الإبداع فى
تغيير الوعى وتفجير الثورة وتغيير
النظم السياسية المستبدة

شـــــــــــرف الكـــــــــلام

أنا المديت شراع أفكاري
  في بحر الزمان تهت
طويت الدنيا بالأفكار
محل ما تميل أكون ملت
من الغالي وعظيم القول
 كتير مديت ايدي شلت
وشان الكلمة شرف الرب
وشان الناس تحس تطرب
وقفت أنادي في الأزمان
طهارة الكلمة في الفنان
وصدق الحرف في صدقو
وحصاد اجيالنا في شتلو
ولو داس الشرف خانو
قلوب الناس تسد الباب
تعاند طبلو والحانو

إحصاءات

زيارات مشاهدة المحتوى : 5097607

المتواجدون حاليا

يوجد حاليا 99 زوار المتواجدين الآن بالموقع
{jatabs type="modules" animType="animMoveHor" style="trona" position="top" widthTabs="120" heightTabs="31" width="100%" height="auto" mouseType="click" duration="1000" module="ja-tabs" }{/jatabs}